عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
52
معارج التفكر ودقائق التدبر
أن يسلكوا الصراط المستقيم ، بينما واقع حالهم أنّهم متفرّقون في السّبل المنحدرة إلى عذاب الجحيم ، بل تنحصر مسؤوليتك في تبليغ وبيان ما أنزل اللّه إليهم ، فإذا لم يستجيبوا فما عليك إلّا أن تنذرهم بما جاء فيه من إنذارات ، إذ هم ممتحنون قد وهبهم اللّه إرادات حرّة ليبلوهم ، ولا يكن في صدرك حرج من اعتراضات المشركين . الحرج : الضيق . وقال الزّجاج : أضيق الضّيق . وقال ابن عباس : الحرج الموضع الكثير الشجر الذي لا يصل إليه الراعية . ويقال : مكان حرج وحرج ، أي : ضيّق كثير الشجر . أقول : هذا المعنى المادّي نقل للدّلالة على مشاعر الضّيق الّتي تكون في الصّدور من أمر عظيم . ونلاحظ في هذا التعبير القرآنيّ إبداعا في الأداء البياني من جهة ، وحكمة تربويّة ربّانيّة من جهة أخرى . * أمّا الإبداع البيانيّ فظاهر في توجيه النهي للحرج ، لا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يقل اللّه له : لا تكن حرج الصّدر ، بل قال له : فلا يكن في صدرك حرج ، ولا يخفى ما في هذا من تلطّف بالرسول ، إذ لم يواجهه اللّه بالنهي ، بل وجّه النهي للحرج . ومن الإبداع في الأداء البياني ، أنّ لفت النظر قد جاء للأثر ، لا لمسبّباته ، مع أنّ المقصود هو مسبّباته ، فالحرج في صدره أثر قد يحدث من جرّاء تصوّره أنّ مسؤوليّته تجاه هذا الكتاب الّذي أنزل إليه ، أن يجعل الناس متّبعين له ، وهذا أمر لم يملكه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد أن ظهر له خلال مسيرته في دعوته حتى وقت إنزال سورة ( الأعراف ) أنّ معظم قومه كفروا به ، ورفضوا اتّباعه ، فماذا يفعل تجاه مسؤوليته العظمى الّتي تمثّلت في تصوّره ؟